ابن كثير

99

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

مالك حين خرج معه إلى الوليد قال دعا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الأنصار أن يقطع لهم البحرين . قالوا لا إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها قال « إما لا فاصبروا حتى تلقوني فإنه سيصيبكم بعدي أثرة » تفرد به البخاري من هذا الوجه . وقال البخاري : حدثنا الحكم بن نافع أخبرنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال : قالت الأنصار اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل ، قال : لا . فقالوا : أتكفوننا المؤنة ونشرككم في الثمرة . قالوا : سمعنا وأطعنا « 1 » . تفرد به دون مسلم . وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا أي ولا يجدون في أنفسهم حسدا للمهاجرين فيما فضلهم اللّه به من المنزلة والشرف والتقديم في الذكر والرتبة . قال الحسن البصري وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً يعني الحسد « 2 » مِمَّا أُوتُوا قال قتادة يعني فيما أعطى إخوانهم . وكذا قال ابن زيد ومما يستدل به على هذا المعنى ما رواه الإمام أحمد « 3 » حيث قال : حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن أنس قال : كنا جلوسا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة » فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد تعلق نعليه بيده الشمال ، فلما كان الغد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مثل ذلك ، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى ، فلما كان في اليوم الثالث قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مثل مقالته أيضا ، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى ، فلما قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تبعه عبد اللّه بن عمرو بن العاص فقال : إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثا ، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت قال « نعم » . قال أنس : فكان عبد اللّه يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئا غير أنه إذا تعار تقلب على فراشه ذكر اللّه وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر قال عبد اللّه : غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرا ، فلما مضت الليالي الثلاث وكدت أن أحتقر عمله ، قلت يا عبد اللّه لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر ، ولكن سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول لك ثلاث مرات « يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة » فطلعت أنت الثلاث المرات ، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي به ، فلم أرك تعمل كبير عمل ، فما الذي بلغ بك ما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : ما هو إلا ما رأيت ، فلما وليت دعاني فقال : ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا ولا أحسد أحدا على خير أعطاه اللّه إياه . قال عبد اللّه : فهذه التي بلغت بك وهي التي لا تطاق ، ورواه النسائي في اليوم والليلة عن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن معمر به ، وهذا إسناد صحيح على شرط الصحيحين لكن رواه عقيل وغيره عن الزهري عن رجل عن

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الحرث باب 5 . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 12 / 41 . ( 3 ) المسند 3 / 166 .